مجد الدين ابن الأثير
11
المختار من مناقب الأخيار
ولم يكن يدخل البصرة إلا يوم الجمعة في وقت الصّلاة ، ثم يرجع من ساعته ، قال : فغدوت لموعد مالك إلى الجبّان ، فانتهيت إلى مالك ، وقد سبقني ، وإذا معه محمد بن واسع ، وإذا ثابت البناني ، وحبيب ، فلمّا رأيتهم قد اجتمعوا قلت : هذا واللّه يوم سرور . قال : فانطلقنا نريد أبا جهير ، فكان مالك إذا مرّ بموضع نظيف ، قال : يا ثابت ، صلّ هاهنا ، لعلّه أن يشهد لك غدا . فكان ثابت يصلّي . ثم انطلقنا حتى أتينا موضعه ، فسألنا عنه ، فقالوا : الآن يخرج إلى الصّلاة . فانتظرناه ، فخرج علينا رجل إن شئت قلت قد نشر من قبره . فوثب رجل ، فأخذ بيده حتى أقامه عند باب المسجد ، ثم أمهل يسيرا ، ثم دخل المسجد فصلى ما شاء اللّه ، ثم أقام الصلاة ، فصلّينا معه ، فلمّا قضى صلاته جلس كهيئة المهموم ، فتوامر « 1 » القوم في السّلام عليه ، فتقدّم محمد بن واسع فسلّم عليه ، فردّ عليه السلام ، وقال : من أنت لا أعرف صوتك ؟ قال : أنا من أهل البصرة . قال : ما اسمك ، يرحمك اللّه ؟ قال : أنا محمد بن واسع . قال : مرحبا وأهلا ، أنت الذي يقول هؤلاء القوم - وأو ما بيده إلى البصرة - إنّك أفضلهم « 2 » ، للّه أنت ، إن قمت بشكر ذلك ، اجلس . فجلس . فقام ثابت البنّانيّ ، فسلم عليه ، فردّ عليه السّلام ، وقال : من أنت ، يرحمك اللّه ؟ قال : أنا ثابت البناني . قال : مرحبا يا ثابت ، أنت الذي يزعم أهل هذه القرية أنك من أطولهم صلاة ؟ اجلس ، فقد كنت أتمنّاك على ربّي . فقام إليه حبيب أبو محمد ، فسلّم عليه ، فردّ عليه السلام ، وقال : من أنت ، يرحمك اللّه ؟ قال : أنا حبيب . فقال : مرحبا بك يا أبا محمد ، أنت الذي يزعم هؤلاء القوم أنّك لم تسأل اللّه شيئا إلا أعطاك ، فهلّا سألته أن يخفي لك ذلك ؟ اجلس يرحمك اللّه . وأخذ بيده ، وأجلسه إلى جنبه .
--> ( 1 ) توامر : تشاور . انظر متن اللغة . ( 2 ) في ب : ( أوصلهم ) .